أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
591
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أعجمي معرّب . وقال الواحدي : « وقد تكلمت العرب بالقسّ والقسّيس » وأنشد المازني : 1802 - لو عرضت لأيبلى قسّ * أشعث في هيكله مندسّ حنّ إليها كحنين الطسّ « 1 » وأنشد لأمية بن أبي الصلت : 1803 - لو كان منفلت كانت قساوسة * يحييهم اللّه في أيديهم الزّبر « 2 » هذا كلام أهل اللغة في القسّيس ، ثم قال : « وقال عروة بن الزبير : « ضيّعت النصارى الإنجيل وما فيه ، وبقي منهم رجل يقال له قسيسا » يعني بقي على دينه لم يبدّله ، فمن بقي على هديه ودينه قيل له « قسّيس » ، وقال قطرب : « القسّ والقسّيس : العالم بلغة الروم ، قال ورقة : 1804 - بما خبّرتنا من قول قسّ * من الرّهبان أكره أن يبوحا « 3 » فعلى هذا القسّ والقسّيس مما اتفق فيه اللغتان . قلت : وهذا يقوّي قول ابن عطية ، ولم ينقل أهل اللغة في هذا اللفظ « القس » بضم القاف لا مصدرا ولا وصفا ، فأما قسّ بن ساعدة الإيادي فهو علم فيجوز أن يكون ممّا غيّر بطريق العلمية ، ويكون أصله قسّ أو قسّ بالفتح أو الكسر كما نقله ابن عطية ، وقسّ بن ساعدة كان أعلم أهل زمانه ، وهو الذي قال فيه عليه السّلام : « يبعث أمة وحده » وأمّا جمع قسّيس فجمع تصحيح كما في الآية الكريمة . قال الفراء : « ولو جمع « قسوسا » كان صوابا لأنهما في معنى واحد » يعني : « قسّا و « قسيسا » . قال : « ويجمع القسّيس على « قساوسة » جمعوه على مثال المهالبة ، والأصل : قساسسة ، فكثرت السينات فأبدلت إحداهنّ واوا ، وأنشدوا لأمية : « لو كان منفلت كانت قساوسة » البيت . قال الواحدي : « والقسوسة مصدر القسّ والقسّيس » . قلت : كأنه جعل هذا المصدر مشتقا من هذا الاسم كالأبوّة والأخوّة والفتوّة من لفظ أب وأخ وفتى ، وكنت قد قدّمت أن القسّ بالفتح في الأصل هو المصدر ، وأنّ العالم سمّي به مبالغة ، ولا أدري ما حمل من قال : إنه معرّب مع وجود معناه في لغة العرب كما عرفته ممّا تقدم ؟ والرّهبان : جمع راهب كراكب وركبان ، وفارس وفرسان . وقال أبو الهيثم : « إنّ رهبانا يكون واحدا ويكون جمعا » وأنشد على كونه مفردا قول الشاعر : 1805 - لو عاينت رهبان دير في القلل * لأقبل الرّهبان يعدو ونزل « 4 » ولو كان جمعا لقال : « يعدون » و « نزلوا » بضمير الجمع . وهذا لا حجّة فيه ، لأنه قد عاد ضمير المفرد على الجمع الصريح لتأوّله بواحد كقوله تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ « 5 » » فالهاء في « بطونه » تعود على الأنعام ، وقال :
--> ( 1 ) الأبيات للعجاج انظر ملحق ديوانه ( 2 / 295 ) ، اللسان ( قسس ) ، البحر ( 3 / 156 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 33 ) ، اللسان ( قسس ) البحر ( 4 / 3 ) . ( 3 ) انظر السيرة ( 1 / 192 ) ، برواية ( يعوجا ) بدلا من ( يبوحا ) ( 4 ) انظر تفسير القرطبي ( 6 / 258 ) . ( 5 ) سورة النحل ، الآية ( 66 ) .